miércoles, 22 de febrero de 2017

الحب وأكثر



يرى من قدّم بطريقة أو بأخرى مساعدة للآخرين أنّه من العدل أن يحصل على شيء في المقابل. هذا عادل، نعم، ولكن المحبّة، المحبّة الحقيقيّة هي التي تدفع إلى العطاء من دون انتظار شيء بالمقابل، وهذه المحبة هي فوق العدالة.
يسكن الشعور بما هو عادل بطريقة مسبقة طبيعيّة في الإنسان، حتى الأشرار قد يفهمون معنى العدالة بطريقة معيّنة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الحيوانات. وكم جريمة تُرتكب بحجة استعادة العدالة المزعومة!  فإن لم يكن باستطاعتنا أن ننفي أن العدالة هي فضيلة، فالمحبّة هي فضيلة أكبر أيضًا. لقد أظهرت كرمك، وتعتقد بأنه باسم العدالة هم يدينون لك بشيء ما، على الأقل بشكر. ولكن إن أصرّيت على الحصول على شيء قد لا يحصل – فهناك أشخاص لا يفكّرون حتى بقول كلمة شكرًا- فإنّك ستشعر بخيبة أمل وبسخط. وما هو السبب الذي يجعلك تجترّ الآن هذه المشاعر السلبيّة؟ بسبب الأمر الجيد الذي ق
 مت به! هل هذا أمر ذكي؟ ... لماذا لا تحاول بكافّة الطرق المحافظة على الفرحة التي شعرت بها وأنت تقوم بعمل خيري؟

لقد تأمّلت كثيرًا ومعمّقًا من خلال إرسال النور والمحبّة إلى العالم أجمع، وبعدها تذهب لتتمشّى في الشوارع.عندما تعود إلى منزلك، تشعر بأنّك لم تقم بأيّ شيء... نعم، هنا تُخطئ. إن كنت بعيد النظر، سترى الخير الذي استطاع وجودك فعله، من دون أن تعلم، للأشخاص الذين التقيت بهم. فبعض الذين كان لديهم مشاريع مسيئة قد تخلّوا عنها، وآخرون كانوا مضطربين ويـائسين قد حصلوا على القليل من الصفاء والشجاعة. كلّ شيء مرتبط بقوّة تطلّعاتك وصدقيّتها.
لست وحدك من تقلقه حالاتك الداخليّة، ولكنّها تؤثّر أيضًا على الآخرين حولك. صدّقني، ستتمكّن يومًا ما من التحقّق من ذلك. عندما تصل إلى الآخرة، ستنكشف أمامك قوّة العالم النفسي. ستكتشف بأنّ أفكارك ومشاعرك كانت تيّارات من الطاقات أثّرت في اللامرئي لكي تقود الكائنات نحو الشر أو الخير.
من الصعب إيجاد توازن داخلي، ولكن من الأصعب الحفاظ عليه لأن الحياة اليومية لا تنفك تقدّم صعوبات جديدة يجب مواجهتها. إن كانت هذه الصعوبات شخصيّة أو عامّة، يشعر كلّ واحد بها كما لو كانت وَخْزات وتشنّجات وصدمات. فمهما فعل للمقاومة والمحافظة على التوازن، لن يتمكّن من الوصول إليه طالما أنّه لا يملك نظامًا فلسفيًّا جيّدًا.
يعلّم النظام الفلسفي الجيّد البشر أولاً بنيتهم النفسيّة: فإنّه يشرح لهم ماهية المادّة التي يجب العمل عليها وما هي الأدوات التي يملكونها للقيام بهذا العمل. إنّه يدلّهم على الهدف الذي يجب أن يتوجّهوا نحوه، القمّة الإلهية الموجودة فيهم، والطريق الذي يجب أن يسلكوه للوصول إلى هذه القمّة حيث سيشعرون أنّهم أخيرًا أحرار وبأمان. فإن لم يدعوا هذه القمّة الإلهيّة تغيب عن نظرهم، وإن بقوا متّصلين بها، في اللحظة التي تبدأ الشهوات البشريّة الخاصّة بهم وبغيرهم بالثوران، فلن ينجرفوا معها. إن شعروا بأنّهم مقيّدون وفي خطر، ذلك لأنّهم بقَوا منخفضين جدا. فالفلس
 ة الجيّدة ستُظهر لهم الممر المؤدّي الى المكان الوحيد الذي سيكونوا فيه أحرارًا وبأمان، لا بل ستعطيهم سلالم وسيكون عليهم التسلّق فقط.

ينتمي كلّ كائن بشريّ، إن أعجبه ذلك أم لا، إلى جماعة ما وإن وقعت مشاكل ضمن الجماعة، فلن يكون لا هو ولا أملاكه الخاصّة بأمان. لقد كان هناك أشخاص أقوياء كثيرًا وأغنياء كثيرًا في التاريخ وقد بدا كأنّ لا شيء يجب أن يمسهم. ولكن حصلت اضطرابات في الجماعة وانتهى بهم الأمر بأن خسروا كلّ شيء، حتى الحياة. يعتمد أمان الأفراد على جودة سير عمل المجتمع. فعلى كلّ واحد الآن أن يستبدل وجهة نظره الخاصة بوجهة نظر أوسع وأشمل، سيربح بهذه الطريقة، ليس فقط على الصعيد الماديّ، ولكن أيضًا وخصوصًا على صعيد الوعي.
يستيقظ الوعي حقًّا عندما يصبح حساسًا تجاه مبدأ الجماعة والشموليّة: حتى لو كان كيانًا منفصلاً جسديًّا، فعلى الصعيد النفسي، يشعر كأنّ الآخرين هم امتداد له. فمنذ هذه اللحظة، يشعر بحصول كلّ ما هو جيّد أو سيّء للآخرين كأنّه قد حصل له، ويعمل على ألا يفعل إلاّ ما هو خير لهم، لأنّه يشعر ويعلم بأنّه يفعل هذا الخير له أيضًا. 
لماذا تعتقد بأن المساعدة أو الدعم يجب أن يأتيك فقط على الشكل الذي أنت تنتظره؟ كم إمكانيّة تتقدّم أمامك! ولكنك لا تراها، لا تريد أن تراها. تتمنّى أن ينفتح باب معيّن أمامك، ولكن ها هو يبقى مغلقًا... فبدلًا من أن تنوح أمام هذا الباب، فكّر بأنّه يمكن أن يكون هناك باب آخر بالقرب منه، سوف ينفتح. أو حتى قد يكون هذا الباب قد فُتح مسبقا ولكنّك لا تراه.
أنت تنتظر تفهّم شخص ما ومساعدته، وها هو لا يمنحك ما تنتظر بل وأيضًا يبدو كريهًا. حسنًا، فبدلًا من أن تترك خيبة الأمل هذه تسيطر عليك، انظر بطريقة أفضل حولك: هناك من دون أدنى شك أشخاص آخرون جاهزون لمساعدتك. إن بقيت مركّزًا كثيرًا على خيبة أملك، فإنّك لن ترى هؤلاء الأصدقاء الذين يأتون إليك. بعض هذه التجارب مفيد من هذه الناحية: فهي تلزم القيام أو اكتشاف ما لن نقوم به ولن نكتشفه من دونها. كم مرّة منعك عنادك من الخروج من مشاكلك! حسنًا، من الآن فصاعدًا، لا تنوح باستمرار أمام الباب المقفل، انظر حولك بطريقة أفضل: فإن لم يكن بابًا، ربّما هناك نافذة مفتوحة!

إنّ الحيوانات راضية بمصيرها: حتى لو كان بعضها أكثر مهارة أو حذاقة من الآخرين، فهي لا ترى حدودها، وبالتالي فهي لا تبحث عن تخطي هذه الحدود للتطوّر. ولكن طريقة الوجود هذه التي هي طبيعيّة بالنسبة إلى الحيوانات، ليست مثاليّة بالنسبة إلى البشر... على رغم  أنّ البعض يكتفين بها!
قد تقول: "ولكن هل علينا أن نثور على مصيرنا؟" كلا، افهمني جيّدًا: إن القبول بمصيرنا شيء، والاكتفاء به شيء آخر. كلّ واحد منّا ملزم بالقبول بمصيره كنتيجة للخيارات التي اتخذها في الماضي. فإن كان عليه المرور الآن ببعض المحن، يجب أن لا يثور لأنّه يدفع ثمن الأخطاء التي قام بها في هذا الوجود أو في وجودات سابقة. عليه إذا أن يبذل جهودًا لكي يصلح وفي الوقت نفسه عليه أن يفهم أنّه يجب عليه أن يتقدّم ويتحسّن. وهكذا، عليه أن يقبل المصير الذي أقرّته له العدالة الإلهيّة، ولكن لا أن يرضى أبدًا بدرجة تطوّره الحاليّة، بل يجتهد باستمرار للخروج من حدوده.